Friday, March 10, 2006 

رؤية شخصية

إذا فقد خلق الله الملائكة من نور و الجن من نار و خلق الإنسان من طين ففضله علي سائر مخلوقاته
*******************
ينقسم الخطاب الديني في مصر إلي شقين فقط - علي حد ملاحظتي - و هما
1 - إعبد الله و التزم بتعاليم الدين حتي تدخل الجنة و تحصل علي أنهار العسل و اللبن و الحور العين و خيرات التي لا تنضب أبدا خالدا في متعها الوفيرة إلي الأبد
2 - إعبد الله و التزم بتعاليم الدين حتي تتقي شر النار التي وقودها الناس و الحجارة التي تستبدل فيها الجلود الناضجة جلودا أخري لتعاد تجربة حرق الجسد الرهيبة مرة أخري ناهيك عن عذاب القبر و أهوال عذاب القبر التي كتب فيها ما يفوق ما كتب في تفسير القرآن أو شرح الدين نفسه
*******************
إذا فالعلاقة بين الإنسان و الله - بناءا علي رؤية الدعاة الإسلاميين و خطباء المساجد - علاقة قائمة علي التخويف و الترغيب فقط
إذا فأين يوجد الحب ؟
*******************
لماذا فضل الله الإنسان علي سائر خلقه من الجن و الملائكة و هو المخلوق من طين ؟
أي شيء ميز الإنسان علي تلك المخلوقات ؟
هل هو العقل ؟
بالطبع لا فكلهم يملكون العقل و الذكاء
هل هو جمال الهيئة ؟
و لكن الله لا ينظر إلي صورنا و لا إلي أجسامنا و إنما إلي قلوبنا
هل هو ذلك الإخساس الذي ينبع من القلب و نسميه بالحب ؟
ألا يمكن أن يكون الله فضلنا علي سائر مخلوقاته لإننا قادرين علي الحب ؟
و إذا كان الله فضلنا علي من خلق قبلنا من نور و نار لقدرتنا علي الحب أليس هذا أدعي إلي أن نحبه - هو - أولا ؟
*******************
عصي الجن الله و اشاعو في الأرض فسادا فأرسل الله لهم جندا من الملائكة بقيادة إبليس طردهم إلي البحار و المحيطات و ظل هذ موطنهم حتي اليوم
عصي إبليس الله فتوعده الله بجهنم خالدا فيها
و عصي آدم الله فطرده الله من الجنة إلي الأرض
و هنا يجب أن نتوقف لحظة
هل يعتبر النفي من الجنة إلي الأرض بالفعل عقوبة للإنسان ؟
كيف كان شكل الأرض في ذلك الزمان ؟ هل كانت مثلما هي اليوم ؟
بالتأكيد كانت الأرض وقتها مكانا بكرا ممتليء بالموارد و الإمكانيات و كان الإنسان عليها يمتلك عقلا يمكنه من التفكير و التحليل و الاختراع و استخدام الموارد ليجعل منها جنة أخري يعيش فيها حتي يحين أجله فيصعد إلي جنته الأصلية التي طرد منها
ماذا فعل الإنسان ؟ أحال الدنيا إلي هذا المكان البشع الذي نعيش فيه الآن ثم مضي يلوم الشيطان حينا و يعاتب الله الذي ألقي به في هذه الأرض حينا آخر ناسيا - أو متناسيا _ أن جهنم هذه التي نعيشها علي الأرض لم تصنعها إلا يداه هو
*******************
1 - خلق الله الملائكة من نور و فضل عليهم الإنسان - المخلوق من طين - و أمرهم أن يسجدو له
2 - خلق الله الجن من نار و فضل عليهم الإنسان و أمرهم أن يسجدو له
3 - عاقب الله الجن بطردهم من الأرض و إبليس بالخلود في جهنم و عاقب الإنسان بالنفي إلي الأرض و إذا عمل فيها حسنا يعود إلي الجنة مرة أخري خالدا فيها
هذه هي علاقة الله بالإنسان منذ بدء الخلق فهل من المنطقي أن تكون علاقة الإنسان بالله هي فقط أن أعبده اتقاء غضبه أو حتي أهرب من عقابه و ألوذ بالجنة و أتمتع بخيرها ؟
أليست هذا المقياس قمة في الأنانية ؟
بشكل آخر : أليس من المنطقي أن أحب الله الذي فضلني علي سائر خلقه و منحني الأرض أصنع منها جنتي حين أخطئت و الجنة في الآخرة إذا أحسنت عملا في الدنيا ؟
******************
إذا فالطبيعي و المنطقي أن أحب الله .. ليس خوفا من نار و عذاب و لا طمعا في عطايا و خيرات
و لكن ليكن ردا للجميل
و لتكن مهمتي في الحياة أن أثبت لإبليس أن الله لم يظلمه و أنه حين فضلني عليه فلم يكن ذلك إلا لأني أنا الكائن الأفضل .. أنا القادر علي الإيمان به و علي حبه و علي عبادته حتي دون أن أراه
وقتها فقط .. قد أكون جديرا بحياة في الجنة لا أطلبها و لا أدعي أني أستحقها و لكن قد يهبها لي الله
الله الذي أحبه .. و يحبني

 

يبقى انت أكيد أكيـــــــد في مصر

الشعب المصري شعب فريد من نوعه في عنصريته و نظرته المتعالية للآخر و لكن الغريب أن تلك النظرة العنصرية ليست فقط موجهة لمن هم من خارج البلاد و الذين نتشدق عليهم بحضارتنا إذا كانو من الغرب أو ريادتنا إذا كانو من الأشقاء و لكنها أيضا سائدة داخل المجتمع نفسه و بين مختلف طبقاته و هذه أمثلة بسيطة
المسلمين : سفاحين و مجرمين
المسيحيين : كفرة و معفنين
الرجالة : همج و متوحشين
الستات : خاينين و كدابين
الأغنيا : لصوص
الفقرا : بيئة
الاسكندرانية : مية مالحة ووشوش كالحة
اهل المنصورة : رجالة ***** - و لا مؤاخذة - و ستات ***** - برضه و لا مؤاخذة
المنوفيين : بخلا
الدمايطة : نتنا - جمع نتن
السوايسة : خبثا
الفلاحين : لؤما - جمع لئيم
الصعايدة : أغبيا
النوبيين : عبيد
هذا طبعا بالإضافة إلي أن الأجانب المقيمين بمصر هم عبارة عن - حيوانات عايشين من خيرنا و فاكرين البلد بقت بتاعتهم و أن الإخوة و الأشقاء العرب هم عبارة عن شوية بقر و بهايم و احنا اللي نضفناهم و عملنالهم قيمة لكن هما - كلهم بلا استثناء - ناكرين الجميل و بيعضو الإيد اللي اتمدت لهم
هذه بعض من الآراء المقتبسة من عدد من الأصدقاء و التي دائما ما تلقي قبولا و موافقة و تصديقا عليها من الحضور
*************
و أمامي كانت لافتة تتحدثُ عن وطنِِ واحدْ
تتحدثُ عن شعبِِ واحدْ
و أنا كالجرذِ هنا قاعدْ
أتقيأُ أحزاني و أدوسُ .. جميع شعارات الطبشورْ
نزار قباني

Wednesday, March 08, 2006 

رأيي صواب يحتمل الخطأ

واحد مسلم - يا عم المسيحيين دول كلهم كفرة ( ولاد كلب ) و سهنين و حرامية و مفيهمش واحد عدل
واحد مسيحي - يا عمي المسلمين دول أساسا شوية مجرمين و قتالين قتلة و الدين بتاعهم انتشر بالدبح و القتل و الإرهاب
واحد ملحد - يا مسلم يابن كذا ياللي ربك كذا و كذا و كذا و رسولك كذا و كذا و مراته عائشة كذا و كذا و لا التاني اللي بيقول ان عيسي اللي هو كذا و كذا و امه مريم كذا و كذا يبقي رب - و طبعا كل الكذا و كذا شتايم من اللي قلبك يحبها
النتيجة الطبيعية : عداوة و كراهية عمرها ما تنتهي بين كل المجموعات دي
الغريب في الأمر ان كل الأديان اهتمامها الأساسي هو تنظيم الحياة الدنيوية و جعل حياة البشر أفضل و كذلك كل اللي بيدعو لعدم الإيمان بأي أديان بنظرياتهم و تفسيرات المختلفة هدفهم الأساسي هو إن البشر يعيشو حياتهم علي الأرض بشكل أفضل بعد التخلي عن القيود اللي بتفرضها عليهم الأديان الوهمية - طبقا لوجهة نظرهم - دي
طيب يعني يا عم المسلم إنت شايف الناس تانية ضالة و عايز تشوفها مؤمنة بالدين الحق و بالمرة تكسب من وراهم كام حسنة - من حقك طبعا - لكن يا أخي لما تقول عليهم كفرة و ولاد كلب هيتحقق ده ؟
يعني مش شايف انك لما تكلمه بهدوء و تتناقش معاه ( و ادع إلي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ) و تحاول ( فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر) تقنعه بليه الإسلام هو دين الحق مش دا غالبا هيجيب نتيجة أفضل و- إن كنت بشك دايما ان اللي بيلجأ لإلقاء الاتهامات بالشكل المبالغ فيه ده حاسس انه هو نفسه مقصر في حق دينه و يمكن عشان كده بيحاول يؤكد لنفسه ان الدين هو أهم حاجة في حياته و هو حتي اللي بيحدد حتي علاقته بالناس .
طيب و انت يا عم المسيحي - إذا فرضنا - ان دينهم دا انتشر بحد السيف زي ما بتقول يبقو هما شوية سفاحين و مجرمين ؟
يعني مثلا الراجل الطيب ابو دقن اللي واقف في دكانة و لا الواد الغلبان اللي بيمسح الجزم عالرصيف دول سفاحين و مجرمين لمجرد انهم مسلمين ؟
لو انت شايف ان دينهم انتشر بالدم و القتل طب ما تحاول تقرب منهم و تفهمهم ان دينك انت انتشر بالحب و كانت رسالته هي الحب و بينلهم الفرق ده مش يمكن ده يجيب نتيجة كويسة برضه ؟
الباشا الكبير بقي اللي بيشتم في كل الأديان بدعوي انه عايز البشر يفوقو و يصحو يتخلصو من أوهام الدين و الآخرة و يحاولو يخلو الدنيا مكان أفضل
يعني انت مثلا لما تقولي ينعل دين ربك هقول فعلا الراجل ده بيتكلم صح ازاي انا كانت غايبة عن الحقيقة الرهيبة دي ...
و لا العكس يعني مثلا هتلاقيني لقيتها فرصة عشان ارضي ضميري اللي دايما من صغري خلوه يأنبني و علموني اني مهما عملت هفضل مقصر في حق الدين و في حق ربنا و لو مرحمنيش رحمة واسعة يبقي مش هشوف شكل الجنة غير و انا رايح عالنار عشان اتحسر و اعرف ان دا كان مكاني لو مكنتش قصرت بالشكل - الفظيع - ده
مانت لما تقولي كده ما هصدق و هتمسك أكتر بالدين و احاول ادافع عنه و اللي انت عايزه أصلا مش هتحققه
يعني مثلا ممكن نقول : إحترام حرية الآخرين في الإيمان أو عدم الإيمان بأي دين= نقدر نحقق شكل من التفاهم ممكن يؤدي للحب = نقدر نتعاون و نخلي حياتنا أفضل . أضف إلي ما سبق ان المؤمن بأي دين يتبع تعاليم دينه و اللي مش مؤمن بأديان يعيش حياته بالطول و العرض و الارتفاع و ميحرمش نفسه من حاجة ...
يبقى أعتقد هنوصل للهدف اللي بيسعي له كل المؤمنين بكل دين و أيضا كل رافضي الأديان .... مش كدا و لا إيه ؟

Monday, March 06, 2006 

حوار علي الشات

هي : عايزين نتكلم في أي موضوع يا جماعة
هو : طيب اقترحي موضوع
هي : طب إيه رأيكو في موضوع التبعيط المتكمن في التقرطف الشعوري
هو : طب و ليه منناقشش موضوع البحاريط اللامرئية .. أنا سمعت انها بتشكل خطورة علي البهلاط المشرئب في الوعي القومي المعاصر
هي : تصدق موضوع حلو فعلا أنا قريت عنه في كتاب بعبيط ابن ابي كئيلة
هي برضه بعد فترة صمت : معلوماتي عن الموضوع ده إنه بيسبب حالات من الإنعدام الاستنكافي الذي يؤيد المحاورات الخاصة حول التأخر المضاد لقوات بسمارك مما يؤيد نظرية الشعور بالإنعدام الوجودي
شخص : أنا أعترض
شخص غيره : و أنا أشك
شخص تالت : نحن نؤيد و نرفض و نشجب و ندين
هو : اللي قلتيه دا كلام قديم و واضح و كلنا عارفينه
هو برضه بعد شوية : اللي انتي نسيتيه انه بيسبب حالة عميقة من انسداد المهابق الغير مدعمة
شخص ظريف : لأ انا سمعت ان المهابق مبقتش تتسد لإنهم غيرو مواسير الصرف بتاعتها
هي : الحقيقة كلامك بيعبر عن استكشاف رائع لتوجهات فكرية غير استدراكية
شخص ظريف تاني : أنا معرفش ( فكرية ) دي بس يا ريت متجيبوش سيرتها
هو : أنا موافق علي موضوع ( فكرية ) إنما الباقي انا مش موافقك عليه
هي : تصدق انت طلعت ميتافيزيقي
هو : أهو إنتي اللي إمبريالية متعصبة - إيموشن غاضب
هي : أهو إنت ..
هي بعد فترة صمت : إنت أصلا معندكش أي استهداف حقيقي للأفكار المتبلورة الخاصة بتدهور الحضارة
هو : أهي دي بقي المشكلة كل شوية تيجي شخصية زيك غير مستنفرة للرؤية المنطقية للبلورات المحورية السداسية الأبعاد و تتهمنا اتهامات ملفقة زي دي
هو : أنا هغير الروم .. برب

 

أكل عيش

- بيقولو الحكومة هتلم كل الفراخ اللي في السوق و هتوزع علي كل مواطن بيضة
قالها مرزوق - صبي القهوة - موجها حديثه إلي سمير و ياسر الجالسان ثم تبعها بضحكة عالية
و ما أن وجد ياسر ابتسم حتي بدأت سلسلة كاملة من ( الإفيهات ) كلها تدور حول موضوع أنفلونزا الطيور و البيض الذي ستوزعه الحكومة علي المواطنين .. يتجول في أنحاء المقهي يلقي بكلماته و ضحكاته ويجول بعينيه بسرعة في الوجوه باحثا عن نظرة استحسان .عند مائدة سمير و ياسر وضع الشاي و القهوة و قال : بكرة كل مواطن يطلع عالجمعية يستلم البيضة بتاعته
و ضحك ووقف ينظر في انتظار الرد .. أجابه سمير بلامبالاة : بيضة واحدة؟ طب و بيضة واحدة تعمل ايه ؟
لم يكمل ضحكته العالية المعتادة فقد لكزه وائل في ظهره و بصوته الهاديء قال : إنت واقف تهزر و انا اللي هشوف طلبات الناس يعني و لا إيه ؟
.. إبتسم مرزوق في توتر : هروح اهو .. شيعه وائل بنظرة وعيد و ذهب فهمس مرزوق في أذن سمير بينما اتجهت عيناه نحو ياسر : وائل هياخد تلات بيضات عشان يتيم
رأي الابتسامات فأطلق ضحكته العالية و ذهب لاستئناف دورانه الذي لا ينتهي في جنبات المكان
عندما اتجه نحو نفس الطاولة لأخذ الأكواب الفارغة ظهر عتريس في مدخل المقهي - جسد ضخم و بشرة غامقة و شعر ناعم و قسمات حادة - و بصوته القوي هتف : سمور .. فابتسم سمير و ياسر وقاما لمصافحة عتريس
إزدادت سرعة خطوات مرزوق متجها إلي الطاولة .. هتف مبتسما حاج عتريـس مد يده مصافحا فمد له عتريس يده بينما استمر في الحديث مع سمير و ياسر الجالسان : و انت إيه أخبار الشغل معاك يا سمور؟
- أهو
و انت يابو ياسرفرد ياسر ضاحكا - زيه برضه
ضحك الأربعة و سأله سمير : و حسن اشتغل و لا لسة ؟
فرد عتريس بينما يده مازالت في يد مرزوق : آه شغال في السوبر ماركت اللي علي الناصية ده
سمير : أنهو فيهم فيه اتنين علي أول الشارع
مرزوق ضاحكا : يا عم انت هتلاقي واحد تخين أوي كده واقف هتعرف ان دا السوبر ماركت اللي شغال فيه حسن
تغيرت ملامح وجه عتريس و اتجهت نحو مرزوق بينما ارتفعت يده من يد مرزوق ممسكة بياقة قميصه و هزه في عنف و هو يهتف : إيه تخين دي ؟ ها ؟ إيه تخين دي ؟
إرتبك مرزوق و هو ينظر نحو ياسر و سمير الصامتين و ابتسامته المرتعشة لا زالت علي وجهه : بقولك ايه ابوك بييجي هنا كل يوم هقوله ..
عاجله عتريس بصفعة علي وجهه فزالت الابتسامة لحظة ثم عادت مرة أخري : هقوله بجد
فصفعه عتريس علي صدغه الآخر ثم دفعه بعيدا و اتجه بنظره إلي سمير : مش عايز حاجة يابو ياسر ؟
فلم يعلق سمير علي الخطأ في الإسم و قال : لا يا عم
ثم اتجه بنظره إلي نحو ياسر و قال و انت مش عايز حاجة يا سمورة ؟
فقال ياسر : شكرا يا عتريس
عندما أدار عتريس ظهره للمقهي اقترب مرزوق مرة أخري و ردد و هو يثبت نظره علي الجسد الضخم المبتعد : إنت بس تجيبلك بيضتين و ترقد عليهم لغاية ما يفقسو
إتجه بوجهه المبتسم نحو سمير فنظر نحوه سمير باحتقار بينما تأمل ياسر وجه مرزوق :
أبتسامة مرتعشة و آثار أصابع علي الخدين و عيون حمراء تقاوم البكاء ..
و عندما التقت عيناه بعينا مرزوق مسح من فوق وجهه نظرة التعاطف و رسم ابتسامة واسعة .
ها من عايز بيضة ؟ قرب قرب ..
قالها مرزوق و تبعها بضحكة عالية و عاد لاستئناف عمله اليومي

Thursday, March 02, 2006 

الزائر

إستيقظ من نومه فجأة دون سبب .. كان يعرف أنه سيجده هناك مثل كل ليلة
إتجه بعينيه إلي ذلك الجانب من الغرفة فرآه
جالسا في هدوء .. شعره الأحمر الناري و عيناه المضيئتان بمزيج من الألوان ينظر إليه و علي شفتيه ابتسامة سخرية مخيفة .
أراد أن يقوم ليفتح النورو يطرد الشبح الذي اقتحم عليه غرفته و نومه و لكنه لم يقدر علي تحريك عضلة واحدة من جسمه ، شعر برغبة في البكاء و لكن حتي هذا لم يكن قادرا عليه
بعد ساعة كاملة .. إستطاع بصعوبة أن يحرك جفنيه إلي الأسفل و يغلق عينيه و عندما فتحهما لم يكن هناك
*********************
نادر - دي صور عيد الميلاد اختها جابتهم لاختي تشوفهم تعالي بقي عشان اوريهالك
قلب في الصور حتي وصل إلي صورته و و هو يقف بجوار فتاة جميلة و ملامح كلا منهما تشع بالبهجة
_ أهي دي يا عم بقي دعاء
نظر يوسف إلي الصورة بلامبالاة و قال : هي دي يا عم دانا كل الوصف دا قلت هتطلع ليلي علوي و لا حاجة
ضحك نادر ضحكة عالية و قال : لا سبنالك انت البنات الحلوة يا عم ألا انت قلتلي كانو كام ؟ 11 باين ؟ و تلاها بضحكة أخري مرتفعة قابلها يوسف بابتسامة هادئة .
*********************
منذ طفولته كان الوضع هكذا ..
يقابل سخرية الآخرين من كرشه المتدلي و شعره الأشعث و كلامه المتلعثم بالابتسام و النظرات المتعالية .. و رغم أن دور الحكيم لم يفيده كثيرا إلا أن يوسف لم يجد دورا آخر يلعبه .. إستمر دائما هكذا ، وحيدا يتعالي علي الآخرين و يبتعد عنهم ليهرب من سخافاتهم . و حتي المرحلة الثانوية كان بلا صاحب واحد .. دائما ينأي بنفسه عن جاره في مقعد المدرسة و يقضي الفسحة داخل الفصل و يغلق الأبواب في وجه جميع من يحاول الاقتراب منه .
مع بداية المرحلة الثانوية فوجيء بضرورة اللجوء للدروس الخصوصية إتجه لمدرس اللغة الإنجليزية ووصف له المنزل فأخبره أن هناك ( واحد اسمه نادر في الشارع اللي جنبك علي طول تاني بيت عالشمال اللي فيه الورشة من تحت ده ) . ذهب قبل موعده ب 20 دقيقة كاملة و قابله نادر بدهشة تلاها بابتسامة ثم زجاجة ميرندا و جلسا معا و تحدثا .. و هكذا كان نادر أول صديق له .
*********************
إتفقا علي الذهاب سويا إلي المدرسة خاصة أن نادر كان يذهب متأخرا لأن أمه العجوز كانت كثيرا ما تغفل عن صوت المنبه و لا تستيقظ و بالتالي يستمر هو في مقاومة الكسل حتي يستيقظ بعد أن يكون الوقت قد تأخر فعلا .. و هكذا أصبحت مهمة يوسف اليومية أن ينزل من بيته مبكرا ليوقظ نادر و يصعد ليجلس في انتظاره حتي يرتدي ملابسه و يذهبان سويا إلي المدرسة . كان يشعر أن كل نظرات الإعجاب الموجهة إلي نادر ذو الشعر الأصفر و العينين الملونتين متجهة نحوه هو ، و كان يبتسم لكلمات يلقيها نادر للفتيات فيضحكن و يشعر بابتسامته أنه هو الذي نظر و تحدث و استقبل الضحكات الراضية .
*********************
في الجهة المجاورة من الشارع كانت تسكن ( طنط نادية )
كانت تحب يوسف و تناديه دائما ليقضي الوقت معها حيث كانت تعيش وحيدة بعد طلاقها و ارتبط يوسف طوال طفولته ببلكونة ( طنط نادية ) التي سيأتي منها صوتها مناديأ إياه ليخرج من عالمه الجاف الوحيد و يذهب إلي ذلك العالم الذي يكون فيه محبوبا و مرغوبا ، تزوجت طنط نادية و أغلقت البلكونة و انقطعت النداءات و بمرور الوقت أصبح يراها في الطريق فلا تلتفت إليه و لا يلتفت إليها و أصبحت بلكونة طنط نادية هي كومة من الأحجار و الأخشاب فقط .. حتي ذلك الصباح .
كان يجلس في غرفته و أتاه الصوت الأنثوي من النافذة .. لم يكن مثل الموسيقي أو غناء العصافير و لم يكن يحمل الرقة المصطنعة أو يرتدي أقنعة الخجل ... كان ببساطة صوتا أنثويا خالصا .. جريئا و مقتحما و مرتفعا .. إخترق صمت غرفته فجذبه إلي النافذة .. و من بين شقوق الشيش المقفول رآها ..
أصبح يوسف يقضي وقتا طويلا في غرفته بمفرده .. يعرفون أنه يذاكر أو نائم و لكن لا أحد يدري أنه فقط يجلس هناك تحت شقوق الشيش بانتظار سماع صوتها
لم يعد ينظر من بين الشقوق فقد حفظ شكلها بأدق تفاصيله .. و عندما تتكلم لا يسمع سوي الصوت .. لا يسمع الكلمات .. و علي أنغام الصوت يبني في خياله عالمهما معا .. لقاءات و مواعيد و ضحكات و هدايا و ورود .. و عندما نجح أخوه أحمد في الابتدائية .. بدأ واجبه السنوي في توزيع زجاجات المياه الغازية علي الشارع كله احتفالا بالنجاح و عندما صعد إلي شقة طنط نادية كان الإجهاد و العرق قد تمكنو منه فلم يفكر في شيء سوي إنهاء هذه المهمة اللعينة .
عندما طرق الباب إنتظر وجهها و عندما فتحت طنط نادية الباب شعر براحة غريبة و أعطاها الزجاجات و هم بالإنصراف و لكنها أمسكت به و قالت ( قول لماما مبروك ) لم يسمع باقي الحوار عندما ظهرت بابتسامتها الواسعة و قالت ( يوسف و احمد ) .. أجاب علي كلمات طنط نادية التقليدية بإجابات تقليدية بينما عيناه تتأملان حركتها أمامه .. كان يحفظ تفاصيل وجهها .. و يعشق صوتها .. و لكنه الآن ينظر إلي حركة جسدها بطريقة مختلفة .. في طريقه إلي أسفل السلم كان قد اتخذ قراره بأنه لابد أن يتزوج ( سماح )
عاد إلي البيت و تظاهر بالإرهاق الشديد و دخل غرفته لينام .. تدثر بالغطاء الثقيل و أغمض عينيه و بدأ مراسم الحفل .
لم يدم حفل الزفاف طويلا و صعد العريسان إلي شقة طنط نادية التي كانت خالية تماما .. عندما دلفا من باب الشقة كانا داخل غرفة النوم .. كانت تقف أمامه في ثقة بابتسامتها الجريئة و رداء من القطيفة يلتصق بجسدها و عطر يفوح منها فيجذبه إليها ليميل نحوها ببطء .
وضع يديه حول خصرها و تلامست شفاهما و ارتسمت فوق وجهه و عينيه المغمضتين ابتسامة رضا .
إنتزعه صوت الطرقات علي باب الغرفة فقام من مكانه غاضبا فقابله وجه أمه و هي تقول :- كويس انك لسة منمتش عمك أنور لسة راجعين من السفر روح بقي وديلهم الحاجة الساقعة هما كمان و تبقي دي آخر حاجة
تمتم بكلمات غاضبة عن مدي تعبه و أنه كان قد نام بالفعل فذهبت أمه و تركته قبل أن يكمل كلامه .. عاد إلي فراشه مرة أخري محاولا استئناف ما بدأه و لكنه خياله الخصب لم يسعفه فقال لنفسه ( و هو أصلا فيه حد بيتجوز و هو لابس جلابية قطيفة ؟ ) و قام من فراشه بعد أن عقد النية علي إعادة الفرح كله في وقت لاحق .
بعد عدة أيام عادت سماح إلي بلدتها و لكنه كان متأكدا أنها ستعود في العام القادم لقضاء عدة أيام مع عمتها ( نادية ) .
- مين عارف ... يمكن تيجي كمان شهر و لا اتنين تقعد كام يوم تاني هي البلد دي في أسبانيا يعني دي ساعتين سفر .
*********************
نادر - بس انت يعني عمرك ما عرفت و لا بنت في حياتك ؟
نظر يوسف إلي نظرات نادر الواثقة و ابتسامته المتسعة و رسم ابتسامة حاول أن يجعلها مشابهة و قال : و لا بنت ؟ ليه يا عم انت فكرني زيك و لا إيه ؟
إرتفعت ضحكة نادر و قال : أمال مبتحكيش ليه يا عم ؟
- أصلي مش بحب اتكلم في الحاجات دي يعني بحس انها حاجات شخصية
- يا عم عادي قول بس قول
حكي له يوسف عن ( أحلام ) و لقائهما الأول و لقائاتهما التالية و لقائهما القادم بعد غد ..
أصبحت قصص يوسف لنادر هي تسلية طريق الصباح نحو المدرسة حكي له عن صفاء و ضحك نادر قائلا : هو لسة فيه ناس بيسمو بناتهم صفاء ، و حكي له عن سحر و سما و ندي و سهام .. سهام كانت شقراء و ندي كانت عيونها سوداء مثل الليل وسحر كانت تكتب الشعر .. كانت ملامحهم متقاربة و إن كانت بها بعض الفروق و لكن الصوت ... كان واحدا لم يتغير أبدا .. صوت أنثوي جريئ و مقتحم و صاخب .. صوت سماح
*********************
جرس الفسحة .. يقوم الجميع خارجين و يجلس يوسف وحيدا بالفصل كعادته .. يكلمه نادر و هو في طريقه للخروج .. مش هتنزل بقي يابني الفسحة .. إنت علي طول قاعد لوحدك كده .. كره ابتسامته هذه المرة أغمض عينيه و ابتسم و لم يرد بعد انتهاء اليوم الدراسي قال له نادر :- تيجي معايا البيت بقي اغير هدومي و نفطر سوا و اجي معاك نذاكر كده في حموتها
- لا يا عم مش فاضي انا رايح اقابل ناس
- ناس مين
- هيكون مين يعني .. خليها عالساعة 3 كده
ذهب من الطريق المعاكس لطريق البيت ثم استدار و عاد بعد أن تأكد أنه لن يقابل نادر في الطريق
عندما أيقظه نادر كانت الساعة 1.5 نظر له في تشفي و قال قوم قوم اصحي عايزين نذاكر
تلعثم و هو يقول :- يا عم لقيت نفسي كابس عليا النوم رحت قلتلها انا مروح
ضحك نادر و هو يقول : آه مانا عارف .
بعد نصف ساعة كان نادر قد ذهب و كان هو علي سريره يبكي متظاهرا بالنوم
*********************
يوسف - بقولك ايه .. هي الصور بتاعة عيد الميلاد اللي وريتهالي قبل كده دي لسة موجودة ؟
نادر - لأ يابني دي مش بتاعتنا داحنا كنا بنتفرج عليها بس .. إنما انت إيه اللي فكرك
يوسف - لأ .. مفيش
نادر _ مفيش إيه ما تتكلم بقي و اخلص
يوسف - يابني مفيش قلتلك حاجة كده في دماغي
نادر - اللهم طولك يا روح .. إخلص بقي يا يوسف عايز تشوف صور دعاء ليه
يوسف - و انا قلتلك صور دعاء أنا بقولك صور عيد الميلاد
نادر - و انت تعرف إيه في عيد الميلاد قول عشان انا فعلا بدأت اتنرفز
يوسف - يا عم مفيش بس انت بتقول انت هتخطبها فقلت اشوف البنت اللي بتحبها بقالك كذا سنة من سكات و ناوي تخطبها دي شكلها إيه
نادر - بس كده ؟
يوسف - أيوة
نادر - ماشي يا يوسف
*********************
يوسف - إيه اللي حصل ؟
نادر - سألتها .. اتقمصت أوي و زعلت و قالتلي لو عندك كرامة متجيش عندنا البيت تاني و معرفش إيه
يوسف - تبقي فعلا هي
نادر - مانا قلت كده برضه
....
نادر - إنت متأكد ان هي اللي شفتها معاه ؟
يوسف - لا بقولك ايه انا قلتلك من الأول اني مش متأكد و قلتلك اني مش فاكر شكلها كويس و قلتلك أكيد انا اللي غلطان بس انت اللي صممت تسألها
نادر - أصلها مش حكاية شكل و بس الحاجات اللي انت قلتها عنها كلها حقيقية يعني مش معقول تكون واحدة شبهها و كمان نفس إسمها و ساكنة في نفس المنطقة و بتشتغل نفس الشغلانة ...
و الأهم من دا كله زي انت ما قلت لو مكانتش هي كانت دافعت عن نفسها انما دي كل كلامها انت ازاي تكلمني كده و بصفتك إيه مع إنها عارفة اني بحبها من زمان و ناوي اتقدم لها أول ما اقدر
يوسف - عموما .. ابقي استني فترة كده لما الأمور تهدي و حاول تتكلم معاها تاني ..
بعد لقائهما الأخير قبل خطوبة دعاء بثلاث أيام لم يلتقي يوسف و نادر ابدا..
أصبح يوسف قليلا ما يحاول الاتصال به و نادر دائما غير موجود .
*********************
بعد العودة من أعمالهم يجتمع الأصدقاء الثلاثة دائما في مقهي صغير و في تلك الليلة أخذهم الحديث نحو أيام الدراسة الثانويةو بدأ كلا منهم يتذكر ما يعرفه من أسماء و عندما وجه سعيد سؤاله ليوسف عن أقرب أصدقائه في أيام الدراسة الثانوية ربما يعرف أحد منهم قال يوسف : هو انا كنت اعرف ناس كتير أوي بس اللي كانو الأنتيم بتوعي تلاتة اربعة بس مفيش غيرهم
سعيد - مين ؟
يوسف - يعني مثلا مدحت يوسف و مجدي طه و نادر ابو السعد و محمد سليمان
سعيد - أعرف منهم تلاتة .. مجدي دخل كلية شرطة
و هنا قاطعه يوسف مبتسما :- يا راجل شرطة و علي كده حلق شعره اللي كان مربيه ده ؟
ضحك محمد الذي كان يعرف مجدي شكلا و قال :أدفع نص عمري و اشوف مجدي و هو اقرع
إستأنف سعيد كلامه : نادر ابو السعد دا مات و مدحت .........
حدقت عيناه بسعيد في صمت تام .. فقال له سعيد :- إيه انت مكنتش تعرف ان نادر مات و لا إيه ؟
لم يكن يرغب في سماع التفاصيل فقال : عارف يا عم بس أصله كان صاحبي أوي يعني
سعيد - و عارف هو مات ازاي بقي ؟
يوسف - مش فاكر مش حادثة عريبة باين ؟
لم يفكر في أي سبب لوفاة نادر غيره
هز سعيد رأسه موافقا ثم أكمل :- هي مش حادثة بالظبط بقي ده هو كان راكب مكروباص رايح بيه مشوار تبع المكتب اللي كان شغال فيه ..
أصله كان شغال مع اخوه في مكتب المحاسبة بتاعه ..
يوسف بشرود : آه عارف
سعيد : المهم المكروباص عطل و نزلو كلهم بعد الموقف بمسافة كده و المكروباصات كلها كانت لسة جاية من الموقف مبعدتش أوي فمليانة نظر.. ليري تأثير كلامه فوجد شغف لدي محمد فتجاهل نظرات يوسف الشاردة و أكمل ..
المهم هو كان دايخ فالناس خلوه قعد عالرصيف و سند ضهره علي عمود نور كده علي ما ييجي المكروباص
محمد - السما نطرت عالعمود قام متكهرب فمات
يوسف يرسم علي شفتيه ابتسامة يرد بها علي المزاح السخيف بينما يبتسم سعيد ابتسامة واسعة و يهز رأسه نافيا و يكمل : و لا السما مطرت و لا اتكهرب و لا اي حاجة هو المكروباص جي بعد ثواني الناس اللي قعدوه بصو عليه لقيوه مات ..
*********************
إستيقظ يوسف من نومه فجأة دون سبب .. كان يعرف أنه سيجده هناك مثل كل ليلة
إتجه بعينيه إلي ذلك الجانب من الغرفة فرآه
جالسا في هدوء .. شعره الأحمر الناري و عيناه المضيئتان بمزيج من الألوان ينظر إليه و علي شفتيه ابتسامة سخرية مخيفة .
أراد أن يقوم ليفتح النور و يطرد الشبح الذي اقتحم عليه غرفته و نومه و لكنه لم يقدر علي تحريك عضلة واحدة من جسمه ، شعر برغبة في البكاء و لكن حتي هذا لم يكن قادرا عليه
بعد ساعة .. إستطاع بصعوبة أن يحرك جفنيه إلي الأسفل و يغلق عينيه و عندما فتحهما لم يكن هناك .
بعد عدة دقائق استطاع القيام من فراشه ليفتح النور و عاد للإستلقاء في الفراش مرة أخري محدقا في تلك النقطة التي كان يجلس بها منذ قليل و ينظر إليه ساخرا ..
تحركت شفتاه و تمتم دون أن يصدر منه أي صوت :
- أنا آسف يا نادر .. .